فصل: تفسير الآيات رقم (88- 100)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


الجزء الرابع عشر

سورة الشعراء

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏طسم ‏(‏1‏)‏ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏2‏)‏ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏3‏)‏ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ‏(‏4‏)‏ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏طسم*‏}‏ لعله إشارة إلى الطهارة الواقعة بذي طوى من طور سيناء وطيبة ومكة وطيب ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مما يجمع ذلك كله- كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يرشد إلى ذلك، وإلى خلاص بني إسرائيل بما سمعه موسى عليه السلام من الكلام القديم، وبإتمام أمرهم بتهيئتهم للملك بإغراق فرعون وجنوده ونصرهم على من ناوأهم في ذلك الزمان بعد تطهيرهم بطول البلاء الذي أوصلهم إلى ذل العبودية، وذلك كله إشارة إلى تهديد قريش بأنهم إن لم يتركوا لددهم فعل بهم ما فعل بفرعون وجنوده من الإذلال بأي وجه أراد‏.‏ وخلص عباده منهم، وأعزهم على كل من ناوأهم‏.‏

ولما فرق سبحانه في تلك بين الدين الحق والمذهب الباطل، وبين ذلك غاية البيان، وفصل الرحمن من عباد الشيطان، وأخبر أنه عم برسالته صلى الله عليه وسلم جميع الخلائق، وختم بشديد الإنذار لأهل الإدبار، بعد أن قال ‏{‏فقد كذبتم‏}‏ وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا القليل، وكان ذلك ربما أوهم قرب إهلاكهم وإنزال البطش بهم، كما كان في آخر سوة مريم، وأشارت الأحرف المقطعة إلى مثل ذلك، فأوجب الأسف على فوات ما كان يرجى من رحمتهم بالإيمان، والحفظ عن نوازل الحدثان، وكان ذلك أيضاً ربما أوجب أن يظن ظان، أن عدم إسلامهم لنقص في البيان، أزال ذلك سبحانه أول هذه فقال ‏{‏تلك‏}‏ أي الآيات العالية المرام، الحائزة أعلى مراتب التمام، المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم ‏{‏ءايات الكتاب‏}‏ أي الجامع لكل فرقان ‏{‏المبين*‏}‏ أي الواضح في نفسه أنه معجز، وأنه من عند الله، وأن فيه كل معنى جليل، الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية البيان، فصح أنه كما ذكر في التي قبلها، فإن الإبانة هي الفصل والفرق، فصار الإخبار بأنه فرقان مكتنفاً الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها- والله الموفق‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير‏:‏ لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين، وختمت بما ذكر من الوعيد، كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه الصلاة والسلام وتأسفه على فوات إيمانهم، لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسلام، وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه ‏{‏لعلك باخع نفسك‏}‏- الآيتين، وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولو شاء الله لجمعهم على الهدى‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 35‏]‏، ‏{‏ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 13‏]‏، ‏{‏ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 99‏]‏، ‏{‏ولو شاء الله ما فعلوه‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 137‏]‏ ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير ‏{‏أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم‏}‏، ‏{‏وإذ نادى ربك موسى‏}‏ وقلّما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته عليه السلام إلا معقبة بقصص موسى عليه السلام وما كابد من بني إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكر وإن ظن ذلك من لم يمعن النظر، فما من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها، وسيوضح هذا في التفسير بحول الله؛ ثم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أممهم على الطريقة المذكورة، وتأنيساً له عليه الصلاة والسلام حتى لا يهلك نفسه أسفاً على فوت إيمان قومه؛ ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر الكتاب وعظيم النعمة به فقال ‏{‏وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون‏}‏ فيا لها كرامة تقصر الألسن عن شكرها، وتعجز العقول عن تقديرها، ثم أخبر تعالى أنه ‏{‏بلسان عربي مبين‏}‏، ثم أخبر سبحانه بعلى أمر هذا الكتاب وشائع ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء فقال‏:‏ ‏{‏وإنه لفي زبر الأولين‏}‏ وأخبر أن علم بني إسرائيل من أعظم آية وأوضح برهان وبينة، وأن تأمل ذلك كاف، واعتباره شاف، فقال‏:‏ ‏{‏أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل‏}‏ كعبد الله بن سلام وأشباهه، ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال‏:‏ ‏{‏ولو نزلناه على بعض الأعجمين‏}‏- الآية، ثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن الكتاب- مع أنه هدى ونور- قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى‏:‏

‏{‏يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 26‏]‏، ‏{‏وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 125‏]‏ فقال تعالى في هذا المعنى ‏{‏كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم‏}‏ الآيات، ثم عاد الكلام إلى تنزيه الكتاب وإجلاله عن أن تتسور الشياطين على شيء منه أو تصل إليه فقال سبحانه ‏{‏وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون‏}‏ أي ليسوا أهلاً له ولا يقدرون على استراق سمعه، بل هم معزولون عن السمع، مرجومون بالشهب، ثم وصى تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم- والمراد المؤمنون- فقال‏:‏ ‏{‏فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين‏}‏ ثم أمره بالإنذار ووصاه بالصبر فقال‏:‏ ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين‏}‏ ثم أعلم تعالى بموقع ما توهموه، وأهلية ما تخيلوه، فقال‏:‏ ‏{‏هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم‏}‏ ثم وصفهم، وكل هذا تنزيه لنبيه صلى الله عليه وسلم عما تقولوه، ثم هددكم وتوعدهم فقال‏:‏ ‏{‏وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‏}‏- انتهى‏.‏

ولما كان قد قدم في تلك أنه عم برسالته جميع الخلائق، وختم بالإنذار على تكذيبهم في تخلفهم، مع إزاحة جميع العلل، نفي كل خلل، وكان ذلك مما يقتضي شدة أسفه صلى الله عليه وسلم على المتخلفين كما هو من مضمون ‏{‏إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً‏}‏ على ما تقدم‏.‏ وذلك لما عنده صلى الله عليه سلم من مزيد الشفقة، وعظيم الرحمة، قال تعالى يسليه، ويزيل من أسفه ويعزيه، على سبيل الاستئناف، مشيراً إلى أنه لا نقص في إنذاره ولا في كتابه الذي ينذر به يكون سبباً لوقوفهم عن الإيمان‏.‏ وإنما السبب في ذلك محض إرادة الله تعالى‏:‏ ‏{‏لعلك باخع نفسك‏}‏ أي مهلكها غمّاً‏.‏ وقاتلها أسفاً، من بخع الشاة إذا بالغ في ذبحها حتى قطع البخاع، بكسر الموحدة، وهو عرق باطن في الصلب وفي القفا، وذلك أقصى حد الذابح، وهو غير النخاع بتثليث النون فإنه الخيط الأبيض في جوف الفقار ‏{‏أن‏}‏ أي لأجل أن ‏{‏لا يكونوا‏}‏ أي كوناً كأنه جبلة لهم ‏{‏مؤمنين*‏}‏ أي راسخين في الإيمان، فكان كأنه قيل‏:‏ هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ، أتخاف وتشفق على نفسك من الهلاك عمّاً تأسفاً على عدم إيمانهم والحال أنا لو شئنا لهديناهم طوعاً أو كرهاً، والظاهر أن جملة الإشفاق في موضع حال من اسم الإشارة كما أن الآية التي بعدها في موضع الحال منها، أي نحن نشير إلى الآيات المبينة لمرادنا فيهم والحال أنك- لمزيد حرصك على نفعهم- بحال يشفق فيها عليك من لا يعلم الغيب من أن تقتل نفسك غمّاً لإبائهم الإيمان والحال أنا لو شئنا أتيناهم بما يقهرهم ويذلهم للإيمان وغيره‏.‏

ولا كان المحب ميالاً إلى ما يريد حبيبه، أعلمهم أن كل ما هم فيه بإرادته فقال‏:‏ ‏{‏إن نشأ‏}‏ وعبر بالمضارع فيه وفي قوله‏:‏ ‏{‏ننزل‏}‏ إعلاماً بدوام القدرة‏.‏ ولما كان ذلك الإنزال من باب القسر، والجبروت والقهر، قال‏:‏ ‏{‏عليهم‏}‏ وقال محققاً للمراد‏:‏ ‏{‏من السمآء‏}‏ أي التي جعلنا فيها بروجاً للمنافع، أشار إلى تمام القدرة بتوحيدها فقال‏:‏ ‏{‏آية‏}‏ أي قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه؛ وأشار إلى تحقق أثرها بالتعبير بالماضي في قوله عطفاً على ‏{‏ننزل‏}‏ لأنه في معنى ‏{‏أنزلنا‏}‏‏:‏ ‏{‏فظلت‏}‏ أي عقب الإنزال من غير مهلة ‏{‏أعناقهم‏}‏ التي هي موضع الصلابة، وعنها تنشأ حركات الكبر وألإعراض ‏{‏لها‏}‏ أي للآية دائماً، ولكنه عبر بما يفهم النهار لأنه موضع القوة على جميع ما يراد من التقلب والحيل والمدافعة ‏{‏خاضعين*‏}‏ جمعه كذلك لأن الفعل لأهلها ليدل على أن ذلهم لها يكون مع كونهم جميعاً، ولا يغني جمعهم وإن زاد شيئاً، والأصل‏:‏ فظلوا، ولكنه ذكر الأعناق لأنها موضع الخضوع فإنه يظهر لينها بعد صلابتها، وانكسارها بعد شماختها، وللإشارة إلى أن الخضوع يكون بالطبع من غير تأمل لما أبهتهم وحيرهم من عظمة الآية، فكأن الفعل للأعناق لا لهم؛ والخضوع‏:‏ التطامن والسكون واللين ذلاً وانكساراً ‏{‏وما‏}‏ أي هذه صفتنا والحال أنه ما ‏{‏يأتيهم‏}‏ أي الكفار ‏{‏من ذكر‏}‏ أي شيء من الوعظ والتذكير والتشريع يذكروننا به، فيكون سبب ذكرهم وشرفهم ‏{‏من الرحمن‏}‏ أي الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم ‏{‏محدث‏}‏ أي بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به؛ وأشار إلى دوام كبرهم بقوله‏:‏ ‏{‏إلا كانوا‏}‏ أي كوناً هو كالخلق لهم؛ وأشار بتقديم الجار والمؤذن بالتخصيص إلى ما لهم من سعة الأفكار وقوة الهمم لكل ما يتوجهون إليه، وإلى أن لإعراضهم عنه من القوة ما يعد الإعراض معه عن غيره عدماً فقال‏:‏ ‏{‏عنه‏}‏ أي خاصة ‏{‏معرضين*‏}‏ أي إعراضاً هو صفة لهم لازمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 10‏]‏

‏{‏فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏6‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ‏(‏7‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏8‏)‏ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏9‏)‏ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال‏:‏ ‏{‏فقد‏}‏ أي فتسبب عن هذا الفعل منهم أنهم قد ‏{‏كذبوا‏}‏ أي حققوا التكذيب وقربوه كما تقدم آخر تلك، واستهزؤوا مع التكذيب بآياتنا‏.‏

ولما كان التكذيب بالوعيد سبباً في إيقاعه، وكان حالهم في تكذيبهم له صلى الله عليه وسلم حال المستهزئ لأن من كذب بشيء خف عنده قدره، فصار عرضة للهزء، قال مهدداً‏:‏ ‏{‏فسيأتيهم‏}‏ سببه بالفاء وحققه بالسين، وقلل التنفيس عما في آخر الفرقان ليعلموا أن ما كذبوا به واقع‏.‏ وأنه ليس موضعاً للتكذيب بوجه ‏{‏أَنْبَاءُ‏}‏ أي عظيم أخبار وعواقب ‏{‏ما‏}‏ أي العذاب الذي ‏{‏كانوا‏}‏ أي كوناً كأنهم جبلوا عليه ‏{‏به‏}‏ أي خاصة لشدة إمعانهم في حقه وحده ‏{‏يستهزءون*‏}‏ أي يهزؤون، ولكنه عبر بالسين إشارة إلى أن حالهم في شدة الرغبة في ذلك الهزء حال الطالب له، وقد ضموا إليه التكذيب، فالآية من الاحتباك‏:‏ ذكر التكذيب أولاً دليلاً على حذفه ثانياً، والاستهزاء ثانياً دليلاً على حذف مثله أولاً‏.‏

ولما كانت رؤيتهم للآيات السماوية والأرضية الموجبة للانقياد والخضوع موجبة لإنكار تخلفهم عما تدعو إليه فضلاً عن الاستهزاء، وكان قد تقدم آخر تلك الحثُّ على تدبر بروج السماء وما يتبعها من الدلالات فكان التقدير‏:‏ ألم يروا إلى السماء كم أودعنا في بروجها وغيرها من آيات نافعة وضارة كالأمطار والصواعق، عطف عليه ما ينشأ عن ذلك في الأرض في قوله معجباً منهم‏:‏ ‏{‏أولم يروا‏}‏‏.‏

ولما كانوا في عمى عن تدبر ذلك، عبر للدلالة عليه بحرف الغاية فقال‏:‏ ‏{‏إلى الأرض‏}‏ أي على سعتها واختلاف نواحيها وتربها؛ ونبه على كثرة ما صنع من جميع الأصناف فقال‏:‏ ‏{‏كم أنبتنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏فيها‏}‏ بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات بها ‏{‏من كل زوج‏}‏ أي صنف مشاكل بعضه لبعض، فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه ‏{‏كريم*‏}‏ أي جم المنافع، محمود العواقب، لا خباثة فيه، من الأشجار والزروع وسائر النباتات على اختلاف ألوانها في زهورها وأنوارها، وطعومها وأقدراها، ومنافعها وأرواحها- إلى غير ذلك من أمور لا يحيط بها حداً ولا يحصيها عداً، إلا الذي خلقها، مع كونها تسقى بماء واحد؛ والكريم وصف لكل ما يرضى في بابه ويحمد، وهو ضد اللئيم‏.‏

ولما كان ذلك باهراً للعقل منبهاً له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه، وبديع اختياره، وصل به قوله‏:‏ ‏{‏إن في ذلك‏}‏ أي الأمر العظيم من الإنبات، وما تقدمه من العظات على كثرته ‏{‏لآية‏}‏ أي علامة عظيمة جداً لهم على تمام القدرة على البعث وغيره، كافية في الدعاء إلى الإيمان، والزجر عن الطغيان، ولعله وحّدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوالّ عليه متساوية الأقدام في الدلالة، فالراسخون تغنيهم واحدة، وغيرهم لا يرجعون لشيء ‏{‏و‏}‏ الحال أنه ‏{‏ما كان‏}‏ في الشاكلة التي خلقتهم عليها ‏{‏أكثرهم‏}‏ أي البشر ‏{‏مؤمنين*‏}‏ أي عريقين في الإيمان، لأنه ‏{‏ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون‏}‏ ‏{‏وإن‏}‏ أي والحال أن ‏{‏ربك‏}‏ أي الذي أحسن إليك بالإرسال، وسخر لك قلوب الصفياء، وزوى عنك اللد الأشقياء ‏{‏لهو‏}‏‏.‏

ولما كان المقام لإنزال الآية القاهرة، قدم قوله‏:‏ ‏{‏العزيز‏}‏ أي القادر على كل من قسرهم على الإيمان والانتقام منهم ‏{‏الرحيم*‏}‏ في أنه لم يعاجلهم بالنقمة، بل أنزل عليهم الكتاب ترفقاً بهم، وبياناً لما يرضاه ليقيم به الحجة على من أريد للهوان، ويقبل بقلوب من يختصه منهم للإيمان، قال أبو حيان‏:‏ والمعنى أنه عز في نقمته من الكفار، ورحم مؤمني كل أمة- انتهى‏.‏ ومن هنا شرع سبحانه وتعالى في تمثيل آخر الفرقان في إظهار القدرة بالبطش عند النقمة حيث لم يشكر النعمة بأن أبى المدعو الإجابة لدعوه الرسل، وترك الداعي- عقب الانقياد من الشدائد- التضرع للمرسل، وقص أخبار الأمم على ما هي عليه بحيث لم يقدر أحد من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم على إنكار شيء من ذلك، ومن ثم قرع أسماعهم، أول شيء بقصتهم من فرعون، وموسى عليه السلام، فصح قطعاً أن هذا الكتاب جلي الأمر، على القدر، ليس بكهانة، ولا شعر، كما سيؤكد ذلك عند إظهار النتيجة في آخرها، بل هو من عند رب العالمين، على لسان سيد المرسلين، وصح أن أكثر الخلق مع ذلك هالك وإن قام الدليل‏.‏ ووضح السبيل‏.‏ لأن سلك الذكر في قلوبهم شبيه في الضيق بنظم السهم فيما يرمى به، وصح أنه سبحانه يملي لهم وينعم عليهم بما فيه حياة أديانهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وما فيه حياة أبدانهم بالإيتاء من كل ما يحتاجونه إظهاراً لصفة الرحمة‏.‏ ثم ينتقم منهم بعد طول المهلة، وتماديهم في سكرات الغفلة، كشفاً لصفة العزة، كل ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وتخفيفاً وإعلاماً بأنه لا قصور في بيانه، ولا تقصير لديه‏.‏

ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك، ووصف الرحمة الإمهال، وكان الأول مقدماً، وكانت عادتهم تقديم ما هم به أهم، وهو لهم أعنى، خيفت غائلته، فأتبع ذلك أخبار هذه الأمم، دلالة على الوصفين معاً ترغيباً وترهيباً، ودلالة على أن الرحمة سبقت الغضب، وإن قدم الوصف اللائق به، فلا يعذب إلا بعد البيان مع طول الإمهال، وأخلى قصة أبيهم إبراهيم عليه السلام من ذكر الإهلاك إشارة إلى البشارة بالرفق ببنيه العرب في الإمهال كما رفق بهم في الإنزال والإرسال، ولما كان مع ذلك في هذه القصة تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب، وكانت التسلية بموسى وإبراهيم عليهما السلام أتم، لما لهما من القرب، والمشاركة في الهجرة، والقصد إلى الأرض المقدسة، وكان قد اختص موسى عليه السلام بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى بمثلها أجد قبله، وإقرار عينه بهداية قومه، وحفظهم بعده بالكتاب، وسياسة الأنبياء المجددين لشريعته، وعدم استئصالهم بالعذاب والانتقام بأيديهم من جميع أعدائهم، وفتح بلاد الكفرة على أيديهم بعده صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك مما شابهوا به هذه الأمة مع مجاورتهم للعرب حتى في دار الهجرة، وموطن النصرة، ليكون في إقرارهم على ما يسمعون من أخبارهم أعظم معجزة، وأتم دلالة، قدمهما مقدماً لموسى- عليهما السلام، والتحية والإكرام- فإن كان القصد تسكين ما أورثه آخر تلك من خوف الملازمة بالعذاب نظراً إلى وصف العزة، فالتقدير‏:‏ اذكر أثر رحمتنا بطول إمهالنا لقومك- وهم على أشد ما يكون من الكفر والضلال في أيام الجاهلية- برحمتنا الشاملة بإرسالك إليهم وأنت أشرف الرسل، وإنزال هذا الكتاب الذي هو أعظم الكتب ‏{‏هو‏}‏ اذكر ‏{‏إذ‏}‏ وعلى تقدير التسلية يكون العطف على تلك لأن المراد بها التنبيه، فالتقدير‏:‏ خذ آيات الكتاب واذكر إذ ‏{‏نادى ربك‏}‏ أي المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به في هذه الدار، وعلى تقدير الترهيب يكون التقدير‏:‏ أو لم يروا إذ نادى ربك، وعدّوا رائين لذلك لأن اليهود في بلادهم وفي حد القرب منهم، فإما أن يكونوا عالمين بالقصة بما سمعوه منهم، أو متهيئين لذلك لإمكانهم من سؤالهم؛ ثم ذكر المنادى فقال‏:‏ ‏{‏موسى‏}‏ وأتبعه ما كان له النداء فقال مفسراً لأن النداء في معنى القول‏:‏ ‏{‏أن أئت القوم‏}‏ أي الذين فيهم قوة وأيّ قوة ‏{‏الظالمين*‏}‏ أي بوضعهم قوتهم على النظر الصحيح المؤدي للإيمان في غير موضعها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 18‏]‏

‏{‏قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ ‏(‏11‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ‏(‏12‏)‏ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ‏(‏13‏)‏ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ‏(‏14‏)‏ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ‏(‏15‏)‏ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏17‏)‏ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ أي قوم‏؟‏ قال مبدلاً إشارة أن العبارتين مؤداهما واحد لأنهم عريقون في الظلم، لظلمهم أنفسهم بالكفرة وغيره، وظلم بني إسرائيل وغيرهم من العباد‏:‏ ‏{‏قوم فرعون‏}‏‏.‏

ولما كان المقصود بالرسالة تخويفهم من الله تعالى، وإعلامهم بجلاله، استأنف قوله معلماً بذلك في سياق الإنكار عليهم، والإيذان بشديد الغضب منهم، والتسجيل عليهم بالظلم، والتعجيب من حالهم في عظيم عسفهم فيه، وأنه قد طال إمهاله لهم وهو لا يزدادون إلا عتواً ولزوماً للموبقات‏:‏ ‏{‏ألا يتقون*‏}‏ أي يحصل منهم تقوى‏.‏

ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم‏.‏ لم يقبل، أخبر من تشوف إلى معرفة جوابه أنه أجاب بما يقتضي الدعاء بالمعونة، لما عرف من خطر هذا المقام، بقوله ملتفتاً إلى نحو ‏{‏يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 30‏]‏ ‏{‏قال رب‏}‏ أي أيها الرفيق بي ‏{‏إني أخاف أن يكذبون*‏}‏ أي فلا يترتب على إتياني إليهم أثر، ويبغون لي الغوائل، فاجعل لي قبولاً ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء، ويجوز أن يريد ب ‏(‏أخاف‏)‏ أعلم أو ‏(‏أظن‏)‏، فيكون «أن» مخففة، فيكون الفعلان معطوفين على «يكذبون» في قراءة الجمهور بالرفع مع جواز العطف على ‏(‏أخاف‏)‏ فيكون التقدير‏:‏ ‏{‏و‏}‏ أخاف أنه، أو قال‏:‏ إني ‏{‏يضيق صدري‏}‏ عند تكذيبهم أو خوفي من تكذيبهم لي انفعالاً كما هو شأن أهل المروءات، وأرباب علو الهمم، لما غرز فيهم من الحدة والشدة في العزيمة إذا لم يجدوا مساغاً ‏{‏ولا ينطلق‏}‏ ونصب يعقوب الفعلين عطفاً على ‏{‏يكذبون‏}‏ على أن ‏(‏أن‏)‏ ناصبة ‏{‏لساني‏}‏ أي في التعبير عما ترسلني إليهم به، لما فيه من الحبسة في الأصل بسبب تعقده لتلك الجمرة التي لدغته في حال الطفولية، فإذا وقع التكذيب أو خوفه وضاق القلب، انقبض الروح إلى باطنه فازدادت الحبسة، فمست الحاجة إلى معين يقوي القلب فيعين على إطلاق اللسان عند الحبسة لئلا تختل الدعوة ‏{‏فأرسل‏}‏ أي فتسبب عن ذلك الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر أني أسألك في الإرسال ‏{‏إلى هارون‏}‏ أخي، ليكون رسولاً من عندك فيكون لي عضداً على ما أمضى له من الرسالة فيعين على ما يحصل من ذلك، وليس اعتذاره بتعلل في الامتثال، وكفى بطلب العون دليلاً على التقبل، لا على التعلل‏.‏

ولما ذكر ما تؤثره الرسالة، وقدم الإشارة إلى استكشافه لأنه أهم، أتبعه ما يترتب على مطلق التظاهر لهم فضلاً عن مواجهتهم بما يكرهون فقال‏:‏ ‏{‏ولهم عليّ‏}‏ أي بقتلي نفساً منهم؛ وقال‏:‏ ‏{‏ذنب‏}‏ وإن كان المقتول غير معصوم تسمية له بما يزعمونه، ولذلك قيده ب «لهم» وأيضاً فلكونه ما كان أتاه فيه من الله تعالى أمر بخصوصه ‏{‏فأخاف‏}‏ بسبب ذلك ‏{‏أن يقتلون‏}‏ أي بذلك، مع ما أضمه إليه من التعرض لهم، فلا أتمكن من أداء الرسالة، فإذا كان هارون معي عاضدني في إبلاغها، وكل ذلك استكشاف واستدفاع للبلاء، واستعلام للعافية، لا توقف في القبول- كما مضى التصريح به في سورة طه‏.‏

ولما استشرفت النفس غلى معرفة جوابه عن هذه الأمور المهمة شفى عناءها بقوله، إعلاماً بأنه سبحانه استجاب له في كل ما سأل‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ قول كامل القدرة شامل العلم كما هو وصفه سبحانه‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ أي ارتدع عن هذا الكلام، فإنه لا يكون شيء مما خفت، لا قتل ولا غيره- وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام على الصدق من البراهين، المقوية لصاحبها، الشارحة لصدره، المعلية لأمره، عد عدماً- وقد أجبناك إلى الإعانة بأخيك ‏{‏فاذهبا‏}‏ أي أنت وهو متعاضدين، إلى ما أمرتك به، مؤيدين ‏{‏بآياتنا‏}‏ الدالة على صدقكما على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا؛ ثم علل تأمينه له بقوله‏:‏ ‏{‏إنا‏}‏ بما لنا من العظمة ‏{‏معكم‏}‏ أي كائنون عند وصولكما إليهم فيمن اتبعكما من قومكما؛ ثم أخبر خبراً آخر بقوله‏:‏ ‏{‏مستمعون*‏}‏ أي سامعون بما لنا من العظمة في القدرة وغيرها من صفات الكمال، إلى ما تقولان لهم ويقولون لكما، فلا نغيب عنكم ولا تغيبون عنا، فنحن نفعل معكما من المعونة والنصر فعل القادر الحاضر لما يفعل بحبيبه المصغي له بجهده، ولذلك عبر بالاستماع؛ قال أبو حيان‏:‏ وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد بصورة الجمع المثنى والخطاب لموسى وهارون فقط، لأن لفظة «مع» تباين من يكون كافراً، فإنه لا يقال‏:‏ الله معه، وعلى أنه أريد بالجمع التثنية حمله سيبويه كأنهما لشرفهما عند الله تعالى عاملهما في الخطاب معاملة الجمع إذ كان ذلك جائزاً أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته- انتهى‏.‏ وهو كلام نفيس مؤيد بتقديم الظرف، ويكون حينئذ خطابهما مشاكلاً لتعظيم المتكلم سبحانه نفسه، لأن المقام للعظمة، وعظمة الرسول من عظمة المرسل، على أنه يجوز أن يكون ذلك إشارة إلى البشارة بمن يتبعهما كما قدرته، ويجوز أن تكون المعية للكل كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 7‏]‏‏.‏

ولما نفى سبحانه أن يكون شيء مما خافه موسى عليه السلام على هذا الوجه المؤكد، وكان ظهور ذلك في مقارعة الرأس أدل وأظهر، صرح به في قوله‏:‏ ‏{‏فأتيا‏}‏ أي فتسبب عن ذلك الضمان بالحراسة والحفظ أني أقول لكما‏:‏ ائتيا ‏{‏فرعون‏}‏ نفسه، وإن عظمت مملكته، وجلّت جنوده ‏{‏فقولا‏}‏ أي ساعة وصولكما له ولمن عنده‏:‏ ‏{‏إنا رسول‏}‏ أفرده مريداً به الجنس الصالح للاثنين، إشارة بالتوحيد إلى أنهما في تعاضدهما واتفاقهما كالنفس الواحدة، ولا تخالف لأنه إما وقع مرتين كل واحدة بلون، أو مرة بما يفيد التثنية والاتفاق، فساغ التعبير بكل منهما، ولم يثنّ هنا لأن المقام لا اقتضاء له للتنبيه على طلب نبينا صلى الله عليه وسلم المؤازرة بخلاف ما مر في سورة طه ‏{‏رب العالمين*‏}‏ أي المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم؛ ثم ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبراً بأداة التفسير لأن الرسول فيه معنى الرسالة التي تتضمن القول‏:‏ ‏{‏أن أرسل‏}‏ أي خلّ وأطلق؛ وأعاد الضمير على معنى رسول فقال‏:‏ ‏{‏معنا بني إسرائيل*‏}‏ أي قومنا الذين استبعدتهم ظلماً، ولا سبيل لك عليهم، نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله بها على ألسنة الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة والسلام‏.‏

ولما كان من المعلوم أنهما امتثلا ما أمرهما الله، فأتياه وقالا له ما أمرا به، تشوفت النفس إلى جوابه لهما، فقال تعالى التفاتاً إلى مثل قوله في التي قبلها ‏{‏وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 7‏]‏ ‏{‏وإن يتخذونك إلا هزواً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 36‏]‏ ونحو ذلك تسلية لهذا النبي الكريم وتحقيقاً لمعنى قوله تعالى ‏{‏كلا‏}‏ و‏{‏مستمعون‏}‏ من أن فرعون وإن بالغ في الإبراق والإرعاد لا يروع موسى عليه السلام شيء منه‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي فرعون حين أبلغاه الرسالة مخاطباً لموسى عليه السلام علماً منه أنه الأصل فيها، وأخوه إنما هو وزير، منكراً عليه مواجهته بمثل هذا ومانّاً عليه ليكف من جرأته بتصويب مثل هذا الكلام إليه‏:‏ ‏{‏ألم نربك‏}‏ أي بعظمتنا التي شاهدتها ‏{‏فينا وليداً‏}‏ أي صغيراً قريب عهد بالولادة ‏{‏ولبثت فينا‏}‏ أي لا في غيرنا، باعتبار انقطاعك إلينا، وتعززك في الظاهر بنا ‏{‏من عمرك سنين*‏}‏ أي كثيرة، فلنا عليك بذلك من الحق ما ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا، وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدة مقامه عنده بأنها كانت نكده لأنه وقع فيما كان يخافه، وفاته ما كان يحتاط به من ذبح الأطفال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 25‏]‏

‏{‏وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ‏(‏19‏)‏ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ‏(‏20‏)‏ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏21‏)‏ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏22‏)‏ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ‏(‏23‏)‏ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ‏(‏24‏)‏ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

ولما ذكّره منة تحمله على الحياء منه، ذكّره ذنباً هو أهل لأن يخاف من عاقبته فقال مهولاً له بالكناية عنه‏:‏ ‏{‏وفعلت فعلتك‏}‏ أي من قتل القطبي، ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيراً إلى أنه عامله بالحلم تخجيلاً له فقال‏:‏ ‏{‏التي فعلت وأنت‏}‏ أي والحال أنك ‏{‏من الكافرين*‏}‏ أي لنعمتي وحق تربيتي بقتل من ينسب إليّ، أو عده منهم لسكوته عنهم إذا ذاك، لأنه لم يكن قبل الرسالة مأموراً فيهم بشيء، فكان مجاملاً لهم، فكأنه قال‏:‏ وأنت منا‏.‏ فما لك الآن تنكر علينا وتنسبنا إلى الكفر‏؟‏ ‏{‏قال‏}‏ مجيباً له على طريق النشر المشوش، واثقاً بوعد الله بالسلامة مقراً بما دندن عليه من القتل لأنه لم يكن متحققاً لذلك، وما ترك قتله إلا التماساً للبينة‏:‏ ‏{‏فعلتها إذاً‏}‏ أي إذ قتلته ‏{‏وأنا من الضالين*‏}‏ أي لا أعرف ديناً، فأنا واقف عن كل وجهة حتى يوجهني ربي إلى ما يشاء- قال ابن جرير‏:‏ والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال- انتهى‏.‏ وقد تقدم في الفاتحة للحرالي في هذا الكلام نفيس- على أن هذه الفعلة كانت مني خطأ ‏{‏ففررت‏}‏ أي فتسبب عن فعلها وتعقبه أني فررت ‏{‏منكم‏}‏ أي منك لسطوتك ومن قومك لإغرائهم إياك عليّ ‏{‏لما خفتكم‏}‏ على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته خطأ مع كونه كافراً مهدر الدم ‏{‏فوهب لي ربي‏}‏ الذي أحسن إليّ بتربيتي عندكم تحت كنف أمي آمنة مما أحدثتم من الظلم خوفاً مني ‏{‏حكماً‏}‏ أي علماً أعمل به عمل الحكام الحكماء ‏{‏وجعلني من المرسلين*‏}‏ أي فاجهد الآن جهدك فإني لا أخافك لقتل ولا غيره‏.‏

ولما اجتمع في كلام فرعون منّ وتعيير، بدأ بجوابه عن التعيير لأنه الأخير فكان أقرب، ولأنه أهم، ثم عطف عليه جوابه عما منّ به، فقال موبخاً له مبكتاً منكراً عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالاً في القول وإحساناً في الخطاب‏:‏ ‏{‏وتلك‏}‏ أي التربية الشنعاء العظيمة في الشناعة التي ذكرتنيها ‏{‏نعمة تمنها عليّ‏}‏‏.‏

ولما كان سببها ظلمه لقومه، جعله نفسها فقال مبدلاً منها تنبيهاً على إحباطها، وإعلاماً بأنها- بكونها نقمة- أولى منها في عدها نعمة‏:‏ ‏{‏أن عبدت‏}‏ أي تعبيدك وتذليلك على ذلك الوجه البديع المبعد قومي ‏{‏بني إسرائيل*‏}‏ أي جعلتهم عبيداً ظلماً وعدواناً وهو أبناء الأنبياء، ولسلفهم يوسف عليه السلام عليكم من المنة- بإحياء نفوسكم أولاً، وعتق رقابكم ثانياً- ما لا تقدرون له على جزاء أصلاً، ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستعبد، فأمرت بقتل أبنائهم، فكان ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك- كما مر بيانه ويأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في سورة القصص‏.‏

ولما كلم اللئيم الذميم الكليم العظيم بما رجا أن يكفه عن مواجهته بما يكره، ويرجعه إلى مداراته‏.‏ فلم يفعل، وفهم ما في جوابه هذا الأخير من الذم له والتعجيز، وإثبات القدرة التامة والعلم الشامل لله، بما دبر في أمر موسى عليه السلام، وأنه لا ينهض لذلك بجواب ولا يحمد له فيه قول، عدل عنه إلى جوابه عن الرسالة بما يموه به أيضاً على قومه لئلا يرجعوا عنه، فأخبر تعالى عن محاورته في ذلك بقوله على طريق الجواب لمن كأنه قال‏:‏ ما قال له جواباً لهذا الكلام، الذي كأنه السهام‏؟‏‏:‏ ‏{‏قال فرعون‏}‏ حائداً عن جواب موسى عليه السلام لما فيه من تأنيبه وتعجيزه‏.‏ منكراً لخالقه على سبيل التجاهل، كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهو أعرف الناس بغالب أفعاله، كما كان فرعون يعرف، لقول موسى عليه السلام ‏{‏لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 102‏]‏‏:‏ ‏{‏وما رب العالمين*‏}‏ أي الذي زعمت أنكما رسوله‏.‏ فسأل ب «ما» عن حقيقته وإنما أراد في الحقيقة إنكاره‏.‏

ولما كان تعريف حقيقته سبحانه بنفسها محالاً لعدم التركيب، فكان تعريفها لا يصح إلا بالخارج اللازم الجلي، تشوف السامع إلى ما يجيب به عنه، فاستأنف قوله إخباراً عنه‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي موسى معرضاً عن التعريف بغير الأفعال إعلاماً بأنه لا شبيه له، وأنه مباين وجوده لوجود كل شيء سواه، معرفاً له سبحانه بأظهر أفعاله مما لا يقدر أحد على ادعاء المشاركة فيه، مشيراً إلى خطابه في طلب الماهية بأنه لا مماثل له‏:‏ أقول لك ولمن أردت بطلب الحقيقة التمويه عليهم‏:‏ هو ‏{‏رب‏}‏ أي خالق ومبدع ومدبر ‏{‏السماوات‏}‏ كلها ‏{‏والأرض‏}‏ وإن تباعدت أجرامها بعضها عن بعض ‏{‏وما بينهما‏}‏ وذلك أظهر العالم الذي هو صنعته وأنتم غير مستغنين عنه طرفة عين، فهذه هي المنة، لا منتك عليّ بالتربية إلى حين استغنيت عنك، وهذا هو الاستبعاد بالإحسان، مع العصيان بالكفران، لا استبعادك لقومي بإهلاكهم وهم في طاعتك، ولسلفهم عليكم من المنة ما لا تجهلونه ‏{‏إن كنتم‏}‏ أي كوناً راسخاً ‏{‏موقنين*‏}‏ أي متصفين بما عليه أهل العلم بأصول الدين من الثقة بما تعتقدون اتصافاً ثابتاً، والجواب‏:‏ علمتم ذلك، وعلمتم أنه لا جواب أسد منه، لأن المذكور متغير، فله مغير لا يتغير، وهو هذا الذي أرسلناه، أي إن كان لكم يقين فأنتم تعرفونه، لشدة ظهوره، وعموم نوره ‏{‏قال‏}‏ أي فرعون ‏{‏لمن حوله‏}‏ من أشراف قومه مموهاً أيضاً‏:‏ ‏{‏ألا تستمعون*‏}‏ أي تصغون إليه بجميع جهدكم، وهو كلام ظاهره أنه نبههم عن الإنكار، لأنه سأل عن الماهية، فأجيب بغيرها، ويحتمل غير ذلك لو ضويق فيه، فهو من خفيّ مكره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 34‏]‏

‏{‏قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏26‏)‏ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ‏(‏27‏)‏ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏28‏)‏ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ‏(‏29‏)‏ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ‏(‏30‏)‏ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏31‏)‏ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ‏(‏32‏)‏ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ‏(‏33‏)‏ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏34‏)‏‏}‏

ولما وبخ اللعين في جوابه، وكان ربما ادعى أن الخافقين وما بينهما من الفضاء غير مخلوق، فتشوف السامع إلى جواب يلزمه، استأنف الشفاء لعيّ هذا السؤال بقوله‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي موسى، مخصصاً بعد ما عمم بشيء لا تمكن المنازعة فيه لمشاهدة وجود أفراده بعد أن لم تكن‏:‏ ‏{‏ربكم‏}‏ أي الموجد لكم والمربي والمحسن ‏{‏ورب آبائكم الأولين*‏}‏ وفرعون- الذي تقرون بأنه ربكم- كان إذ ذاك عدماً محضاً، أو ماء صرفاً في ظهر أبيه، فبطل كون أحد منهم رباً لمن بعده كما بطل كون أحد ممن قبلهم من الهالكين ربّاً لهم، لأن الكل عدم‏.‏

فلما أوضح بذلك بطلان ما حملهم على اعتقاده من ربوبيته لم يتمالك أن ‏{‏قال إن رسولكم‏}‏ على طريق التهكم، إشارة إلى أن الرسول ينبغي أن يكون أعقل الناس، ثم زاد الأمر وضوحاً بقوله‏:‏ ‏{‏الذي أرسل إليكم‏}‏ أي وأنتم أعقل الناس ‏{‏لمجنون‏}‏ حيث لا يفهم أني أساله عن حقيقة مرسله فكف يصلح للرسالة من الملوك‏.‏

فلما أساء الأدب، فاشتد تشوف السامع إلى معرفة جوابه عنه، استأنف تعالى الإخبار بذلك، فحكى أنه ذكر له ما لا يمكنه أن يدعي طاعته له، وهو أكثر تغيراً وأعجب تنقلاً بأن ‏{‏قال رب المشرق والمغرب‏}‏ أي الشروق والغروب ووقتهما وموضعهما ‏{‏وما بينهما‏}‏ أي من الناس الذين ليسوا في طاعتكم، والحيوان والجماد، بسبب ما ترون من قدرته على تقليب النيرات من بزوغ الشمس والقمر والنجوم وأفولها وما يظهر عنهما من الليل والنهار على تصاريف مختلفة، وحركات متقاربة لو لا هي لما علمتم شيئاً من أموركم، ولا تمكنتم من أحوالكم، وهذا الدليل أبين الكل لتكرر الحركة فيه وغير ذلك من معالمه، ولذلك بهت نمرود لما ألقاه عليه الخليل عليه الصلاة والسلام‏.‏

ولما دعاه صلى الله عليه وسلم باللين فأساء الأدب عليه في الجواب الماضي، ختم هذا البرهان بقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم تعقلون‏}‏ أي فأنتم تعلمون ذلك، فخيرهم بين الإقرار بالجنون أو العقل، بما أشار إليه من الأدلة في مقابلة ما نسبوه إليه من الجنون بسكوتهم وقول عظيمهم بغير شبهة، رداً لهم عن الضلالة، وإنقاذاً من واضح الجهالة، فكان قوله أنكأ مع أنه ألطف، وأوضح مع أنه أستر وأشرف‏.‏

فلما علم أنه قد قطعه بما أوضح من الأمر، ووصل معه في الغلظة إلى ما إن سكت عنه أوهن من حاله، وفتر من عزائم رجاله، تكلم بما السكوت أولى منه، فأخبر تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ عادلاً عن الحجاج بعد الخوض فيه إلى المغالبة التي هي أبين علامات الانقطاع‏:‏ ‏{‏لئن اتخذت إلهاً غيري‏}‏ أي تعمدت أخذه وأفردته بتوجيه جميع قصدك إليه ‏{‏لأجعلنك من المسجونين‏}‏ أي واحداً ممن هم في سجوني على ما تعلم من حالي في اقتداري، ومن سجوني في فظاعتها، ومن حال من فيها من شدة الحصر، والغلظ في الحجر ‏{‏قال‏}‏ مدافعاً بالتي هي أحسن إرخاء للعنان، لإرادة البيان، حتى لا يبقى عذر لإنسان، رجاء النزوع عن الطغيان، والرجوع إلى الإيمان، لأن من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف، والرجوع إلى الحق والاعتراف ‏{‏أولو‏}‏ أي أتسجنني ولو ‏{‏جئتك بشيء مبين*‏}‏ أي لرسالتي ‏{‏قال‏}‏ طمعاً في أن يجد موضعاً للتكذيب أو التلبيس‏:‏ ‏{‏فأت به‏}‏ أي تسبب عن قولك هذا أني أقول لك‏:‏ ائت بذلك الشيء ‏{‏إن كنت‏}‏ أي كوناً أنت راسخ فيه ‏{‏من الصادقين*‏}‏ أي فيما ادعيت من الرسالة والبينة، وهذا إشارة إلى أنه بكلامه المتقدم قد صار عنده في غير عدادهم، ولزم عليه أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق لأنها تصديق من الله للمدعي، وعادته سبحانه وتعالى جارية في أنه لا يصدق الكاذب ‏{‏فألقى‏}‏ أي فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى‏.‏

ولما كان الكلام مع موسى عليه السلام، فكان إضماره غير ملبس، لم يصرح باسمه اكتفاء بضميره فقال‏:‏ ‏{‏عصاه‏}‏ أي التي تقدم في غير سورة أن الله تعالى أراه آياتها ‏{‏فإذا هي ثعبان‏}‏ أي حية في غاية الكبر ‏{‏مبين*‏}‏ أي ظاهر الثعبانية، لا شك عند رائية فيه، لا كما يكون عند الأمور السحرية من التخييلات والتشبيهات ‏{‏ونزع يده‏}‏ أي التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون، وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجز عن إبرائها، نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه ‏{‏فإذا هي‏}‏ بعد النزع ‏{‏بيضاء للناظرين*‏}‏ أي بياضاً تتوفر الدواعي على نظره لخروجه عن العادة بأن له نوراً كنور الشمس يكاد يغشي الأبصار ‏{‏قال‏}‏ أي فرعون ‏{‏للملأ حوله‏}‏ لما وضح له الأمر، يموه على عقولهم خوفاً من إيمانهم‏:‏ ‏{‏إن هذا لساحر عليم*‏}‏ أي شديد المعرفة بالسحر، وخص في هذه السورة إسناداً هذا الكلام إليه لأن السياق كله لتخصيصه الخطاب لما تقدم، ونظراً إلى ‏{‏فظلت أعناقهم لها خاضعين‏}‏ لأن خضوعه هو خضوع من دونه، فدلالته على ذلك أظهر، ولا ينفي ذلك أن يكون قومه قالوه إظهاراً للطواعية- كما مضى في الأعراف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 44‏]‏

‏{‏يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ‏(‏35‏)‏ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ‏(‏36‏)‏ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ‏(‏37‏)‏ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ‏(‏38‏)‏ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ‏(‏39‏)‏ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ‏(‏40‏)‏ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ‏(‏41‏)‏ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ‏(‏42‏)‏ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ‏(‏43‏)‏ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ‏(‏44‏)‏‏}‏

ولما أوقفهم بما خيلهم به، أحماهم لأنفسهم فقال ملقياً لجلباب الأنفة لما قهره من سلطان المعجزة‏:‏ ‏{‏يريد أن يخرجكم من أرضكم‏}‏ أي هذه التي هي قوامكم ‏{‏بسحره‏}‏ أي بسبب ما أتى به منه، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد بهم؛ ثم قال لقومه- الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم- ما دل على أنه خارت قواه، فحط عن منكبيه كبرياء الربوبية، وارتعدت فرائصه حتى جعل نفسه مأموراً بعد أن كان يدعي كونه آمراً بل إلهاً قادراً‏:‏ ‏{‏فماذا تأمرون*‏}‏ أي في مدافعته عما يريد بنا ‏{‏قالوا‏}‏ أي الملأ الذين كانوا يأتمرون به قبل الهجرة ليقتلوه‏:‏ ‏{‏أرجه‏}‏ أي أخره ‏{‏وأخاه‏}‏ ولم يأمروا بقتله ولا بشيء مما يقاربه- فسبحان من يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير خالقه ‏{‏وابعث في المدائن حاشرين*‏}‏ أي رجالاً يحشرون السحرة، وأصل الحشر الجمع بكرة ‏{‏يأتوك‏}‏ وكأنهم فهموا شدة قلقه فسكنوه بالتعبير بأداة الإحاطة وصيغة المبالغة فقالوا‏:‏ ‏{‏بكل سحار‏}‏ أي بليغ السحر ‏{‏عليم*‏}‏ أي متناه في العلم به بعد ما تناهى في التجربة؛ وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى عظمة ملكه فقال‏:‏ ‏{‏فجمع‏}‏ أي بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة ‏{‏السحرة‏}‏ كما تقدم غير مرة ‏{‏لميقات يوم معلوم*‏}‏ في زمانه ومكانه، وهو ضحى يوم الزينة كما سلف في طه، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وافق يوم السبت في أول يوم من سنتهم، وهو يوم النيروز‏.‏ ‏{‏وقيل‏}‏ أي بقول من يقبل لكونه عن فرعون ‏{‏للناس‏}‏ أي كافة حثاً لهم على الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون، وامتحاناً لهم هل رجعوا عن دينه، علماً منه بأن ما ظهر من المعجزة- التي منها عجزه عن نوع أذى لمن واجهه بما لا مطمع في مواجهته بأدناه- لم يدع لبساً في أنه مربوب مقهور، وأن ذلك موجب لا تباع موسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏هل أنتم مجتمعون*‏}‏ أي اجتماعاً أنتم راسخون فيه لكونه بالقلوب كما هو بالأبدان، كلكم ليكون أهيب لكم، وزين لهم هذا القائل البقاء على ما كانوا عليه من الباطل بذكر جانب السحرة وإن كان شرط فيه الغلبة، ولم يسمح بذكر جانب موسى عليه السلام فقال‏:‏ ‏{‏لعلنا نتبع السحرة‏}‏ لأن من امتثل أمر الملك كان حاله حال من يرجى منه اتباع حزبه ‏{‏إن كانوا هم‏}‏ أي خاصة ‏{‏الغالبين*‏}‏ أي غلبة لا يشك في أنها ناشئة عن مكنة نعرض عن أمر موسى الذي الذي تنازع الملك في أمره، وهذا مرادهم في الحقيقة، وعبر بهذا كناية عنه لأنه أدل على عظمة الملك، وعبر بأداة الشك إظهاراً للإنصاف، واستجلاباً للناس، مع تقديرهم لقطعهم بظفر السحرة‏.‏

لما رسخ في أذهانهم في الأزمنة المتطاولة من الضلال الذي لا غفلة لإبليس عن تزيينه مع أن تغيير المألوف أمر في غاية العسر‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏فلما‏}‏ بالفاء إيذاناً بسرعة حشرهم، إشارة إلى ضخامة ملكه‏.‏ ووفور عظمته ‏{‏جاء السحرة‏}‏ أي الذين كانوا في جميع بلاد مصر ‏{‏قالوا لفرعون‏}‏ مشترطين الأجر في حال الحاجة إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد، ونجاح القصد ‏{‏أئِنََّ لنا لأجراً‏}‏ وساقوه مساق الاستفهام أدباً معه، وقالوا‏:‏ ‏{‏إن كنا‏}‏ أي كوناً نحن راسخون فيه ‏{‏نحن‏}‏ خاصة ‏{‏الغالبين*‏}‏ بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفاً له بأنه إن لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له؛ ثم قيل في جواب من كأنه سأل عن جوابه‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ مجيباً إلى ما سألوه‏:‏ ‏{‏نعم‏}‏ أي لكم ذلك، وزادهم ما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكداً له فقال‏:‏ ‏{‏وإنكم إذاً‏}‏ أي إذا غلبتم ‏{‏لمن المقربين*‏}‏ أي عندي، وزاد ‏{‏إذاً‏}‏ هنا زيادة في التأكيد لما يتضمن ذلك من إبعاده عن الإيمان من وضوح البرهان، تخفيفاً على المخاطب بهذا كله صلى الله عليه وسلم، تسلية له في الحمل على نفسه أن لا يكون من يدعوهم مؤمنين، وما بعد ذلك من مسارعة السحرة للإيمان- بعد ما ذكر من إقسامهم بعزته بغاية التأكيد- تحقيق لآية ‏{‏فظلت أعناقهم لها خاضعين‏}‏‏.‏

ولما تشوف السامع إلى جواب نبي الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام أجيب بقوله‏:‏ ‏{‏قال لهم موسى‏}‏ عليه السلام، أي مريداً لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقائهم، لا لمجرد إلقائهم، غير مبال بهم في كثرة ولا علم بعد ما خيروه- كما في غير هذه السورة‏:‏ ‏{‏ألقوا ما أنتم ملقون*‏}‏ كائناً ما كان، ازدراء له بالنسبة إلى أمر الله ‏{‏فألقوا‏}‏ أي فتسبب عن قول موسى عليه السلام وتعقبه أن ألقوا ‏{‏حبالهم وعصيهم‏}‏ التي أعدوها للسحر ‏{‏وقالوا‏}‏ مقسمين‏:‏ ‏{‏بعزة فرعون‏}‏ مؤكدين بأنواع التأكيد ‏{‏إنا لنحن‏}‏ أي خاصة لا نستثني ‏{‏الغالبون*‏}‏ قول واثق من نفسه مزمع على أن لا يدع باباً من السحر يعرفه إلا أتى به، فكل من حلف بغير الله كأن يقول‏:‏ وحياة فلان، وحق رأسه- ونحو ذلك، فهو تابع لهذه الجاهليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏45- 51‏]‏

‏{‏فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ‏(‏45‏)‏ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ‏(‏46‏)‏ قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏47‏)‏ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏48‏)‏ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏49‏)‏ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ‏(‏50‏)‏ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

ولما قدم إضمار اسم موسى عليه السلام في الإلقاء الأول لأن الكلام كان معه، فلم يكن إلباس في أنه الفاعل‏.‏ وكان الكلام هنا في السحرة، وختموا بذكر فرعون وعزته، صرح باسم موسى عليه الصلاة والسلام لنفي اللبس فقال‏:‏ ‏{‏فألقى‏}‏ أي فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى ‏{‏موسى‏}‏ وقابل جماعة ما ألقوه بمفرد ما ألقى، لأنه أدل على المعجزة، فقالك ‏{‏عصاه‏}‏ أي التي جعلناها آية له، وتسبب عن إلقائه قوله‏:‏ ‏{‏فإذا هي تلقف‏}‏ أي تبتلع في الحال بسرعة ونهمة ‏{‏ما يأفكون*‏}‏ أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ظن أنه حيات تسعى ‏{‏فألقي‏}‏ أي عقب فعلها من غير تلبث ‏{‏السحرة ساجدين*‏}‏ أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقياً ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم، علماً منهم بأن هذا من عند الله، فأمسوا أتقياء بررة، بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ هذا فعلهم، فما كان قولهم‏؟‏ قيل‏:‏ ‏{‏قالوا آمنا برب العالمين*‏}‏ أي الذي دعا إليه موسى عليه السلام أو ما تكلم؛ ثم خصوه كشفاً لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بياناً‏:‏ ‏{‏رب‏}‏ ولم يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل، فقال عبارة عن كلامهم‏:‏ ‏{‏موسى وهارون*‏}‏ أي اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه، والهداية إليه، وصدقهما بما أجرى على أيديهما‏.‏

ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم، لما يرون مما هالهم من أمرهم، وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه، قال تعالى مخبراً عنه‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ من غير ذكر الفاعل- أي فرعون- لعدم اللبس، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحه منه، منكراً مبادراً موهماً لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن، لا على نفس الفعل، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما ‏{‏آمنتم له‏}‏ أي لموسى عليه السلام، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرساله، وحقيقة الكلام‏:‏ أوقعتم التصديق بما أخبر به عن الله لأجله إعظاماً له بذلك ‏{‏قبل أن ءاذن لكم‏}‏ أي في الإيمان؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع، لا عن حسن اتباع، فقال‏:‏ ‏{‏إنه‏}‏ أي موسى عليه السلام ‏{‏لكبيركم‏}‏‏.‏

ولما كان هذا مشعراً بنسبته له إلى السحر، وأنه أعلم منهم به، فلذلك غلبهم، أوضحه بقوله‏:‏ ‏{‏الذي علمكم السحر‏}‏ فتواعدتم معه على هذا الفعل، لتنزعوا الملك من أربابه، هذا وكل من سمعه يعلم كذبة قطعاً، فإن موسى عليه السلام ما ربي إلا في بيته، واستمرّ حتى فر منهم إلى مدين، لا يعلم سحراً، ولا ألم بساحر، ولا سافر إلا إلى مدين، ثم لم يرجع إلا داعياً إلى الله، ولكن الكذب غالب على قطر مصر، وأهلها اسرع شيء سماعاً له وانقياداً به‏.‏

ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة، أكد المنع بالتهديد فقال‏:‏ ‏{‏فلسوف تعلمون*‏}‏ أي ما أفعل بكم، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا، مع ما فيها في الحقيقة على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما أشهدهم الله من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع؛ ثم فسر ما أبهم بقوله‏:‏ ‏{‏لأقطعن‏}‏ بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين ‏{‏أيديكم وأرجلكم‏}‏ ثم بين كيفية تقطيعها فقال‏:‏ ‏{‏من خلاف‏}‏ وزاد في التهويل فقال‏:‏ ‏{‏ولأُصلبنكم أجمعين*‏}‏ ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏‏.‏

ولما كان قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه، حسن قولهم‏:‏ ‏{‏لا ضير‏}‏ أي لا ضرر أصلاً علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا به، بل لنا في الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من الله، ورد النفي الشامل في هذه السورة إيذاناً بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم، تحقيقاً لما في أول القصة من الإشارة إلى ذلك ب ‏{‏كلا‏}‏ و‏{‏مستمعون‏}‏ فإن الإمكان من تابعي موسى عليه السلام يؤذيه ويضيق صدره، ولما يأتي من القصص من صريح العبارة في قوله ‏{‏أنتما ومن اتبعكما الغالبون‏}‏‏.‏ ثم عللوا ذلك بقولهم‏:‏ ‏{‏إنا‏}‏ أي بفعلك ذلك فينا إن قدرك الله عليه ‏{‏إلى ربنا‏}‏ أي المحسن إلينا وحده ‏{‏منقلبون*‏}‏ أي ولا بد لنا من الموت، فلنكن على ما حكم به ربنا من الحالات، وإنما حكمك على هذا الجسد ساعة من نهار، ثم لا حكم على الروح إلا الله الذي هو جدير بأن يثيبنا على ذلك نعيم الأبد‏.‏ وذلك معنى قولهم معللين ما قبله‏:‏ ‏{‏إنا نطمع أن يغفر‏}‏ اي يستر ستراً بليغاً ‏{‏لنا ربنا‏}‏ الذي أحسن إلينا بالهداية ‏{‏خطايانا‏}‏ أي التي قدمناها على كثرتها؛ ثم عللوا طمعهم مع كثرة الخطايا بقولهم‏:‏ ‏{‏أن كنا‏}‏ أي كوناً هو لنا كالجبلة ‏{‏أول المؤمنين*‏}‏ أي من أهل هذا المشهد، وعبروا بالطمع إشارة إلى أن جميع أسباب السعادة منه تعالى، فكأنه لا سبب منهم أصلاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 58‏]‏

‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ‏(‏52‏)‏ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ‏(‏53‏)‏ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ‏(‏54‏)‏ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ‏(‏55‏)‏ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ‏(‏56‏)‏ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏57‏)‏ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ‏(‏58‏)‏‏}‏

ولما قص سبحانه من حال الدعاء ما كفى في التسلية من قصد هذين النبيين بالأذى والتهكم بمن دعوا إليه، وجعلهما الأعليين، ولم يضرهما ضعفهما وقلتهما، ولا نفع عدوهما قوته وكثرته، شرع يسلي بما أوقعه في حال السير، فقال طاوياً ما بقي منه لأن هذا ذكّر به، عاطفاً على هذه القصة‏:‏ ‏{‏وأوحينا‏}‏ أي بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود ‏{‏إلى موسى أن أسر‏}‏ أي سر ليلاً، حال اشتغال فرعون وجنوده بموت أبكارهم وتجهيزهم لهم ‏{‏بعبادي‏}‏ أي بني إسرائيل الذين كرمتهم مصاحباً لهم إلى ناحية بحر القلزم، غير مبال بفرعون ولا منزعج منه، وتزودوا اللحم والخبز الفطير للإسراع، وألطخوا أعتابكم بالدم، لأني أوصيت الملائكة الذين يقتلون الأبكار أن لا يدخلوا بيتاً على بابه دم؛ ثم علل أمر له بالسير في الليل بقوله‏:‏ ‏{‏إنكم متبعون*‏}‏ أي لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم، فأسرع بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر فيه مجدي، والمراد توافيهم عند البحر، ولم يكتم اتباعكم عن موسى عليه السلام لعدم تأثره به لما تحقق عنده من الحفظ لما تقدم به الوعد الشريف بذلك التأكيد‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فأسرى بهم امتثالاً للأمر بعد نصف الليل، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏فأرسل فرعون‏}‏ أي لما أصبح وأعلم بهم ‏{‏في المدائن حاشرين*‏}‏ أي رجالاً يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا، ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكاً لهممهم‏:‏ ‏{‏إن هؤلاء‏}‏ إشارة بأداة القرب تحقيراً لهم إلى أنهم في القبضة وإن بعدوا، لما بهم من العجز، وبآل فرعون من القوة، فليسوا بحيث يخاف قوتهم ولا ممانعتهم ‏{‏لشرذمة‏}‏ أي طائفة وقطعة من الناس‏.‏

ولما كانت قلتهم إنما هي بالنسبة إلى كثرة آل فرعون وقوتهم وما لهم عليهم من هيبة الاستعباد، وكان التعبير بالشرذمة موهماً لأنهم في غاية القلة، أزال هذا الوهم بالتعبير بالجمع دون المفرد ليفيد أنه خبر بعد خبر، لا صفة، وأن التعبير بالشرذمة إنما هو للإشارة إلى تفرق القلوب، والجمع ولا سيما ما للسلامة مع كونه أيضاً للقلة أدل على أنهم أوزاع، وفيه أيضاً إشارة إلى أنهم مع ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد‏.‏ وليس لهم أهبة لقتال لعدم العدة لأنهم لم يكونوا قط في عداد من يقاتل كما تقول لمن تزدريه‏:‏ هو أقل من أن يفعل كذا، فقال‏:‏ ‏{‏قليلون*‏}‏ أي بالنسبة إلى ما لنا من الجنود التي لا تحصى وإن كانوا في أنفسهم كثيرين، فلا كثرة لهم تمنعكم أيها المحشورون من اتباعهم؛ قال البغوي عن ابن مسعود رضي الله عنهما‏:‏ كانوا ستمائة ألف وتسعين ألفاً، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون- انتهى‏.‏

وكل هذا بيان لأن فرعون مع تناهي عظمته لم يقدر على أثرٍ ما في موسى عليه السلام ولا من اتبعه تحقيقاً لما تقدم من الوعد به أول القصة‏.‏

ولما ذكر ما يمنع الخوف من اتباعهم، ذكر ما يوجب الحث عليه ويحذر من التقاعس عنه فقال‏:‏ ‏{‏وإنهم لنا‏}‏ ونحن على ما نحن عليه من الكثرة والعظمة ‏{‏لغائظون*‏}‏ أي بما فجعونا به من أنفسهم وما استعاروه من الزينة من أواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة، فلا رحمة في قلوبكم تحميهم‏.‏

ولما كان مدار مادة «شرذم» على التقطع‏.‏ فكان في التعبير بها إشارة إلى أنهم مع القلة متفرقون ليسوا على قلب واحد، وذكر أن في اتباعهم شفاء الغلل، أتبعه ما ينفي عن المتقاعد العلل، فقال‏:‏ ‏{‏وإنا لجميع‏}‏ أي أنا وأنتم جماعة واحدة مجتمعون بإياله الملك على قلب واحد‏.‏

ولما أشار بهذا الخبر إلى ضد ما عليه بنو إسرائيل مع قلتهم مما هو سبب للجرأة عليهم، أخبر بخبر ثان يزيد الجرأة عليهم، وفي مضادة لما أشير إليه ب «قليلون» من الاستضعاف فقال‏:‏ ‏{‏حاذرون*‏}‏ أي ونحن- مع إجماع قلوبنا- من شأننا وطبعنا الحذر، فنحن لا نزال على أهبة القتال، ومقارعة الأبطال، لا عائق لنا عنه بسفر ولا بغيره، أما من جهتي فبإفاضة الأموال عليكم، وإدرار الأرزاق فيكم، ووضع الأشياء في مواضعها في الأرض والرجال، وأما من جهتكم فباستعمال الأمانة من طاعة الملك في وضع كل ما يعطيكم في مواضعه من إعداد السلاح والمراكب والزاد، وجميع ما يحتاج إليه المحارب، مع ما لكم من العزة والقوة وشماخة الأنوف وعظم النفوس مع الجرأة والإقدام والثبات في وقف الحقائق، المحفوظ بالعقل المحوط بالجزم المانع من اجتراء الأخصام عليكم، ومكرهم لديكم، فإنه يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر بأن يجزئه أربعة أجزاء‏:‏ أحدها لوزرائه وكتابه وجنده، والثاني لحفر الأنهار وعمل الجسور، والثالث له ولولده، والرابع يفرق من مدن الكور، فإن لحقهم ظمأ أو استبحار أو فساد علة أو موت عوامل قوّاهم به؛ وري أنه قصده قوم فقالوا‏:‏ نحتاج إلى أن نحفر خليجاً لنعمر ضياعنا، فإذن في ذلك واستعمل عليهم عاملاً فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت المال، فسأل عن مبلغ ما أنفقوه على خليجهم، فإذا هو مائة ألف دينار، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها، فقال‏:‏ اطرحوها عليهم، فإن الملك إذا استغن بمال رعيته افتقر وافتقروا، وأن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى واستغنوا‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فأطاعوا أمره، ونفوا على كل صعب وذلول، عطف عليه قوله معلماً بما آل إليه أمرهم‏:‏ ‏{‏فأخرجناهم‏}‏ أي بما لنا من القدرة، إخراجاً حثيثاً مما لا يسمح أحد بالخروج منه ‏{‏من جنات‏}‏ أي بساتين يحق لها أن تذكر ‏{‏وعيون*‏}‏ لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر ‏{‏وكنوز‏}‏ من الأموال تعرف بمقدار ما هم فيه من النعم الفاضلة عنهم، مع ما هم فيه من تمام الاستعداد لمثل هذا المراد ‏{‏ومقام‏}‏ من المنازل ‏{‏كريم*‏}‏ أي على صفة ترضي الرائي له لأنه على النهاية من الحسن لا يقال فيه‏:‏ ليته كان كذا، أو كان كذا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 68‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ‏(‏59‏)‏ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ‏(‏60‏)‏ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ‏(‏61‏)‏ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ‏(‏62‏)‏ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ‏(‏63‏)‏ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ ‏(‏64‏)‏ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ‏(‏65‏)‏ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏66‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏67‏)‏ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏68‏)‏‏}‏

ولما كان الخروج عن مثل هذا مما يستنكر، أشار إلى عظمة القدرة عليه بقوله‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ أي مثل ذلك الإخراج العجيب الذي أراده فرعون من قومه في السرعة والكمال الهيبة أخرجناهم نحن بأن يسرنا له ولهم ذلك، ووفرنا لهم الأسباب، لما اقتضته حكمتنا، أو مثل ذلك الخروج الذي قصصناه عليك أخرجناهم، أي كان الواقع من خروجهم مطابقاً لما عبرنا به عنه، أو الأمر الذي قصصناه كله كما قلنا وأولها أقعدها وأحسنها وأجودها ‏{‏وأورثناها‏}‏ أي تلك النعم السرية بمجرد خروجهم بالقوة وبإهلاكهم بالفعل ‏{‏بني إسرائيل*‏}‏ أي جعلناهم بحيث يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعاً يمنعهم منها بعد أن كانوا مستبعدين تحت أيدي أربابها، وأما إرثهم لها بالفعل ففيه نظر لقوله في الدخان ‏{‏قوماً آخرين‏}‏‏.‏

ولما وصف الإخراج، وصف أثره فقال مرتباً عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوة‏:‏ ‏{‏فأتبعوهم‏}‏ أي جعلوا أنفسهم تابعة لهم ‏{‏مشرقين*‏}‏ أي داخلين في وقت شروق الشمس، أي طلوعها من صبيحة الليلة التي سار في نصفها بنو إسرائيل، ولولا تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن على حكم العادة في أقل من عشرة أيام، فإنه أمر يعجز الملوك مثله، فيا له من حشر ما أسرعه‏!‏ وجهاز ما أوسعه‏!‏ واستمروا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزم كما تقدم في الأعراف شرح ذلك عن التوراة، وتقدم سر تسييرهم في تلك الطريق ‏{‏فلما تراءى الجمعان‏}‏ أي صارا بحيث يرى كل منهما الآخر ‏{‏قال أصحاب موسى‏}‏ ضعفاً وعجزاً استصحاباً لما كانوا فيه عندهم من الذل، ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث يقال‏:‏ إن طليعة آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل، وذلك محق لتقليل فرعون لهم، وكأنه عبر عنهم ب «أصحاب» دون «بني إسرائيل» لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم‏:‏ ‏{‏إنا لمدركون*‏}‏ أي لأنهم قد وصلوا ولا طريق لنا وقد صرنا بين سدين من حديد وماء، العدو وراءنا والماء أمامنا ‏{‏قال‏}‏ أي موسى عليه الصلاة والسلام وثوقاً بوعد الله، ناطقاً بمثل ما كلمه به ربه في أول القصة من قوله‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ أي لا يدركونكم أصلاً؛ ثم علل ذلك تسكيناً لهم بقوله‏:‏ ‏{‏إن معي ربي‏}‏ فكأنهم قالوا‏:‏ وماذا عساه يفعل وقد وصلوا‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏سيهدين*‏}‏ أي بوعد مؤكد عن قرب، إلى ما أفعل مما فيه خلاصكم، وتقدم في براءة سر تقديم المعية وخصوصها والتعبير باسم الرب ‏{‏فأوحينا‏}‏ أي فتسبب عن كلامه الدال على المراقبة أنا أوحينا؛ ونوه باسمه الكريم جزاء له على ثقته به سبحانه فقال‏:‏ ‏{‏إلى موسى‏}‏ وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله‏:‏ ‏{‏أن اضرب بعصاك البحر‏}‏ أي الذي أمامكم، وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر منه إلى الطور وإلى مكة المشرفة وما والاها ‏{‏فانفلق‏}‏ أي فضربه فانشق بسبب ضربه لما ضربه امتثالاً لأمر الله وصار اثني عشر فرقاً على عدد أسباطهم ‏{‏فكان كل فرق‏}‏ أي جزء وقسم عظيم منه ‏{‏كالطود‏}‏ أي الجبل في إشرافه وطوله وصلابته بعدم السيلان ‏{‏العظيم*‏}‏ المتطاول في السماء الثابت لا يتزلزل، لأن الماء كان منبسطاً في أرض البحر، فلما انفرق وانكشفت فيه الطرق انضم بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في السماء‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فأدخلنا كل شعب منهم في طريق من تلك الطرق، عطف عليه‏:‏ ‏{‏وأزلفنا‏}‏ أي قربنا بعظمتنا من قوم موسى عليه السلام؛ قال البغوي‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة، أي ليلة الجمع‏.‏

ولما كان هذا الجمع في غاية العظمة وعلو الرتبة، أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال‏:‏ ‏{‏ثم‏}‏ أي هنالك، فإنها ظرف مكان للبعيد ‏{‏الآخرين*‏}‏ أي فرعون وجنوده ‏{‏وأنجينا موسى ومن معه‏}‏ وهم الذين اتبعوه من قومه وغيرهم ‏{‏أجمعين*‏}‏ أي لم نقدر على أحد منهم الهلاك‏.‏

ولما كان الإغراق بما به الإنجاء- مع كونه أمراً هائلاً- عجيباً وبعيداً عبر بأداة البعد فقال‏:‏ ‏{‏ثم أغرقنا‏}‏ أي إغراقاً هو على حسب عظمتنا ‏{‏الآخرين*‏}‏ أي فرعون وقومه اجمعين، لم يفلت منهم أحد‏.‏

ولما قام عذر موسى عليه السلام فيما استدفعه أول القصة من كيد فرعون بما ثبت له من العظمة والمكنة في كثرة الجند وعظيم الطاعة منهم له في سرعة الاجتماع الدالة على مكنتهم في أنفسهم، وعظمته في قلوبهم، رغبة ورهبة، وظهر مجد الله في تحقيق ما وعد به سبحانه من الحراسة، وزاد ما أقر به العيون، وشرح به الصدرو، وكان ذلك أمراً يهز القوى سماعه، ويروع الأسماع تصوره وذكره، قال منبهاً على ذلك‏:‏ ‏{‏إن في ذلك‏}‏ أي الأمر العظيم العالي الرتبة من قصة موسى وفرعون وما فيها من العظات ‏{‏لآية‏}‏ أي علامة عظيمة على ما قال الرسول موجبة للإيمان به من أن الصانع واحد فاعل بالاختبار، قادر على كل شيء، وأنه رسوله حقاً ‏{‏وما كان أكثرهم‏}‏ أي الذين شاهدوها والذي وعظوا بسماعها ‏{‏مؤمنين‏}‏ لله أي متصفين بالإيمان الثابت، أما القبط فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف عليه السلام- على ما يقال، وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم مزلزلاً يتعنت كل قليل، ويقول ويفعل ما هو كفر، حتى تداركهم الله تعالى على يدي موسى عليه السلام ومن بعده، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلهاً الأصنام التي مروا عليها، وأما غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف، وأمرهم مشاهد مكشوف ‏{‏وإن ربك‏}‏ أي المحسن إليك بإعلاء أمرك، واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك ‏{‏لهو العزيز‏}‏ أي القادر على الانتقام من كل فاجر ‏{‏الرحيم*‏}‏ أي الفاعل فعل البليغ الرحمة، فهو يمهل ويدر النعم، ويحوط من النقم، ولا يمهل، بل يرسل رسلاً، وينزل معهم ما بين به ما يرضيه وما يسخطه، فلا يهلك إلا بعد الإعذار، فلا تستوحش ممن لم يؤمن، ولا يهمنك ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏69- 79‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ‏(‏69‏)‏ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ‏(‏70‏)‏ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ‏(‏71‏)‏ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ‏(‏72‏)‏ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ‏(‏73‏)‏ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ‏(‏74‏)‏ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ‏(‏75‏)‏ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ‏(‏76‏)‏ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ‏(‏77‏)‏ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ‏(‏78‏)‏ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ‏(‏79‏)‏‏}‏

ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة موسى عليه السلام، أتبعه دلالة على رحيميته قصة إبراهيم عليه السلام لما تقدم أنه شاركه فيه مما يسلي عما وقع ذكره عنهم من التعنتات في الفرقان، ولما اختص به من مقارعة أبيه وقومه في الأوثان، وهو أعظم آباء العرب، ليكون ذلك حاملاً لهم على تقليده في التوحيد إن كانوا لا ينفكون عن التقليد، وزاجراً عن استعظام تسفيه آبائهم في عبادتها، وتعبيره سبحانه للسياق قبل وبعد، وتعبيره بقوله‏:‏ ‏{‏واتل‏}‏ أي اقرأ قراءة متتابعة- مرجح للتقدير الأول في ‏{‏وإذ‏}‏ من جعله «اذكر» وتغييره في التعبير بها لسياق ما تقدم وما تأخر لتنبيه العرب على اتباعه لما لهم به من الخصوصية ‏{‏عليهم‏}‏ أي على هؤلاء المغترين بالأوثان، المنكرين لرسالة البشر ‏{‏نبأ إبراهيم*‏}‏ أي خبره العظيم في مثل ذلك ‏{‏إذ‏}‏ أي حين ‏{‏قال لأبيه وقومه‏}‏ منبهاً لهم على ضلالهم، لا مستعلماً لأنه كان عالماً بحقيقة حالهم‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ أي أي شيء، وصور لهم حالهم تنبيهاً لهم على قباحتها فعبر بالمضارع فقال‏:‏ ‏{‏تعبدون*‏}‏ أي تواظبون على عبادته ‏{‏قالوا‏}‏ مبتهجين بسؤاله، مظهرين الافتخار في جوابهم بإطالة الكلام‏:‏ ‏{‏نعبد أصناماً فنظل‏}‏ أي فيتسبب عن عبادتنا لها أنا نوفي حق العبادة بأن ندوم ‏{‏لها عاكفين*‏}‏ أي مطيفين بها على سبيل الموظبة متراكمين بعضنا خلف بعض حابسين أنفسنا تعظيماً لها، فجروا على منوال هؤلاء في داء التقليد الناشئ عن الجهل بنفس العبادة وبظنهم مع ذلك أنهم على طائل كبير، وأمر عظيم، ظفروا به، مع غفلة الخلق عنه- كما دل عليه خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة واحدة، وهذا هو الذي أوجب تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام بقيد النهار، وكأنهم قصدوا بما يدل على النهار- الذي هو موضع الاشتغال والسهرة- الدلالة على الليل من باب الأولى، مع شيوع استعماله أيضاً مطلقاً نحو ‏{‏فظلت أعناقهم لها خاضعين‏}‏، وزاد قوم إبراهيم عليه السلام أن استمروا على ضلالهم وأبوه معهم فكانوا حطب النار، ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك، ولم تكن لهم حيلة إلا دعاؤهم، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع التسلية‏.‏

ولما فهم عنهم هذه الرغبة، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم، مع كل عاقل إذا تعقل أن لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها، فكيف مع فقدها كلها‏؟‏ فقال تعالى مخبراً عنه‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ معبراً عنها إنصافاً بما يعبر به عن العقلاء لتنزيلهم إياها منزلتهم‏:‏ ‏{‏هل يسمعونكم‏}‏ أي دعاءكم مجرد سماع؛ ثم صور لهم حالهم ليمنعوا الفكر فيه، فقال معبراً بظرف ماض وفعل مضارع تنبيهاً على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت‏:‏ ‏{‏إذ تدعون*‏}‏ أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن‏:‏ هل سمعوكم وقتاً ما‏؟‏ ليكون ذلك مرجياً لكم لحصول نفع منهم في وقت ما‏.‏

ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء- وهو غير سامع- لكن لنفعه له في نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلاً، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد الأول بالذات جلب النفع، قال‏:‏ ‏{‏أو ينفعونكم‏}‏ أي على العبادة كما ينفع أقل شيء تقتنونه ‏{‏أو يضرون*‏}‏ على الترك‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏‏:‏ لا والله‏!‏ ليس عندهم شيء من ذلك ‏{‏بل وجدنا آباءنا كذلك‏}‏ أي مثل فعلنا هذا العالي الشأن، ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيماً لأمرهم فقالوا‏:‏ ‏{‏يفعلون*‏}‏ أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم، مع سبقهم لنا إلى الوجود، فهم أرصن منا عقولاً، وأعظم تجربة، فلولا أنهم رأوا ذلك حسناً، ما واظبوا عليه، هذا مع أنهم لو سلكوا طريقاً حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط، ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد بالباطل قديماً وحديثاً‏.‏

ولما وصلوا إلى التقليد المخض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها ‏{‏قال‏}‏ معرضاً عن جواب كلامهم بنقص، إشارة إلى أنه ساقط لا يرتضيه من شم رائحة الرجولية‏:‏ ‏{‏أفرأيتم‏}‏ أي فتسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم‏:‏ أرأيتم، اي إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظراً شافياً ‏{‏ما كنتم‏}‏ أي كوناً هو كالجبلة لكم ‏{‏تعبدون*‏}‏ مواظبين على عبادتهم ‏{‏أنتم‏}‏‏.‏

ولما أجابوه بالتقليد، قال لهم ما معناه، رقوا تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته، فإن التقدم والأولوية لا تكون برهاناً على الصحة، والباطل لا ينقلب حقاً بالقدم، وذلك مراده من قوله‏:‏ ‏{‏وآباؤكم الأقدمون*‏}‏ أي الذين هم أقدم ما يكونون‏:‏ هل لهم وصف غير ما أقررتم به من عدم السماع والنفع والضر‏؟‏ ‏{‏فإنهم‏}‏ أي فتسبب عن رؤيتكم ووصفكم لهم بما ذكرتم أني أخبركم إخباراً مؤكداً أنهم‏.‏

ولما كانت صيغة فعول للمبالغة، أغنت في العدو والصديق عن صيغة الجمع ولا سيما وهي شبيهة بالمصادر كالقبول والصهيل، فقال مخبراً عن ضمير الجمع‏:‏ ‏{‏عدو لي‏}‏ أي أناصفهم بالسوء وأعاملهم في إبطالهم ومحقهم معاملة الأعداء وكل من عبدهم كما قال في الآية الأخرى ‏{‏لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 54‏]‏، ‏{‏أف لكم ولما تعبدون من دون الله‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 57‏]‏ و‏{‏تالله لأكيدن أصنامكم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 67‏]‏‏.‏

ولما كانوا هم مشركين، وكان في آبائهم الأقدمين من عبد الله وحده‏.‏ قال‏:‏ ‏{‏إلا رب العالمين*‏}‏ أي مدبر هذه الأكوان كلها- كما قال موسى عليه السلام- لأن ذلك أشهر الأوصاف وأظهرها، فإنه ليس بعدوي، بل هو وليّي ومعبودي؛ ثم شرع يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما عليه أصنامهم فقال‏:‏ ‏{‏الذي‏}‏ ولما لم يكن أحد يدعي الخلق لم يحتج إلى ما يدل على الاختصاص فقال‏:‏ ‏{‏خلقني‏}‏ أي أوجدني على هيئة التقدير والتصوير ‏{‏فهو‏}‏ أي فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره ‏{‏يهدين*‏}‏ أي إلى الرشاد، ولأنه لا يعلم باطن المخلوق ويقدر على كمال التصرف فيه غير خالقه، ولا يكن خالقه إلا سمعياً بصيراً ضاراً نافعاً، له الكمال كله، ولا شك أن الخلق للجسد، والهداية للروح، وبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع، والإنسان له قالب من عالم الخلق، وقالب من عالم الأمر، وتركيب القالب مقدم كما ظهر بهذه الآية، ولقوله

‏{‏فإذا سويته ونفخت فيه من روحي‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 29‏]‏ وأمثال ذلك، وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية بالمضارع لتجددها وتكررها ديناً ودنيا ‏{‏والذي هو‏}‏ أي لا غيره ‏{‏يطعمني ويسقين‏}‏ ولو أراد لأعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلاً ولا شرباً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏80- 87‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ‏(‏80‏)‏ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ‏(‏81‏)‏ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ‏(‏82‏)‏ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ‏(‏83‏)‏ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏84‏)‏ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ‏(‏85‏)‏ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ‏(‏86‏)‏ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

ولما كان المرض ضرراً، نزهه عن نسبته إليه أدباً وإن كانت نسبة الكل إليه سبحانه معلومة، بقوله‏:‏ ‏{‏وإذا مرضت‏}‏ باستيلاء بعض الأخلاط على بعض لما بينها من التنافر الطبيعي ‏{‏فهو‏}‏ أي وحده ‏{‏يشفين*‏}‏ بسبب تعديل المزاج بتعديل الأخلاط وقسرها على الاجتماع والاعتدال، لا طبيب ولا غيره وإن تسببت أنا في أمراض نفسي ببرد أو حر أو طعام أتناوله أو غير ذلك لأنه قادر على ما يريد‏.‏

ولما كان الإنسان مطبوعاً على الاجتهاد في حفظ حياته وبقاء مهجته، نسب فعل الموت إليه إعظاماً للقدرة فقال‏:‏ ‏{‏والذي يميتني‏}‏ أي حساً وإن اجتهدت في دفع الموت، ومعنى وإن اجتهدت في دفع الجهل‏.‏

ولما كان الإحياء حساً بالروح ومعنى بالهداية عظيماً، أتى بأداة التراخي لذلك ولطول المكث في البرزخ فقال‏:‏ ‏{‏ثم يحيين‏}‏ للمجازاة في الآخرة كما شفاني من المرض وإن وصلت إلى حد لا أرجى فيه، ولم يأت هنا بما يدل على الحصر لأنه لا مدعي للإحياء والإماتة إلا ما ذكره سبحانه عن نمرود في سورة البقرة، وأن إبراهيم عليه السلام أبهته ببيان عجزه في إظهار صورة من مكان من الأمكنة بلا شرط من روح ولا غيرها، وإذا عجز عن ذلك كان عجزه عن إيجاد صورة أبين، فكيف إذا انضم إلى ذلك إفادتها روحاً أو سلبها منها، فعدّ ادعاؤه لذلك- مع القاطع المحسوس الذي أبهته- عدماً، والله أعلم‏.‏

ولما ذكر البعث، ذكر ما يترتب عليه فقال‏:‏ ‏{‏والذي أطمع‏}‏ هضماً لنفسه واطراحاً لأعماله وإشارة إلى أنه بالنسبة إلى الحضرة الأعظمية غير قادرة لها حق قدرها، فإن الطمع كما قال الحرالي في البقرة تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب- انتهى‏.‏ فلذلك لم يعد له عملاً ‏{‏أن يغفر‏}‏ أي يمحو ويستر‏.‏

ولما كان الله سبحانه منزهاً عن الغرض، فكانت المغفرة لحظ العبد ليس غير، قال‏:‏ ‏{‏لي‏}‏ وأسند الخطيئة إليه هضماً لنفسه وتواضعاً لربه فقال‏:‏ ‏{‏خطيئتي‏}‏ أي تقصيري عن أن أقدره حق قدره، فإن الضعيف العاجز لا يبلغ كل ما ينبغي من خدمة العلي الكبير، وما فعله فهو بإقداره سبحانه فلا صنع له في الحقيقة أصلاً ‏{‏يوم الدين*‏}‏ أي الجزاء‏.‏

ولما أثنى على الله تعالى بما هو أهله، وختم بذكر هذا اليوم العظيم، دعا بما ينحي عن هوله، فدل صنيعه على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم، وله في الإجابة أثر عظيم، فقال ملتفتاً إلى مقام المشاهدة إشارة إلى أن الأمر مهول، وأنه لا ينقذ من خطره إلا عظيم القدرة، لما طبعت عليه النفس من النقائص‏:‏ ‏{‏رب‏}‏ أي أيها المحسن إليّ ‏{‏هب لي حكماً‏}‏ أي عملاً متقناً بالعلم، وأصله بناء الشيء على ما توجبه الحكمة، ولما كان الاعتماد إنما هو على محض الكرم، فإن من نوقش الحساب عذب، قال‏:‏ ‏{‏وألحقني بالصالحين*‏}‏ أي الذين جعلتهم أئمة للمتقين في الدنيا والآخرة، وهم من كان قوله وفعله صافياً عن شوب فساد‏.‏

ولما كان الصالح قد لا يظهر عمله، وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر، قال‏:‏ ‏{‏واجعل لي لسان صدق‏}‏ أي ذكراً جميلاً، وقبولاً عاماً، وثناء حسناً، بما أظهرت مني من خصال الخير ‏{‏في الآخرين*‏}‏ أي الناس الذين يوجدون بعدي إلى يوم الدين، لأكون للمتقين إماماً، فيكون لي مثل أجورهم، فإن «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» وقد كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعائه، ومن أعظمه أن جعله الله شجرة مباركة فرع منها الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي من أعظمه ما كان على لسان أعظمهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من قوله‏:‏ «صل على محمد كما صليت على إبراهيم» إلى آخره‏.‏

ولما طلب سعادة الدنيا، وكانت لا نفع لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة، وكانت الجنة لا تنال إلا بمنه، لا بشيء من ذلك، ولذلك شبه إدخالها بالإرث الذي يحصل بغير اكتساب من الوارث وهو أقوى أسباب الملك، قال‏:‏ ‏{‏واجعلني‏}‏ أي مع ذلك كله بفضلك ورحمتك ‏{‏من ورثة جنة النعيم*‏}‏‏.‏

ولما دعا لنفسه، ثنى بأحق الخلق ببره فقال‏:‏ ‏{‏واغفر لأبي‏}‏ ثم علل دعاءه بقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان‏}‏ في أيام حياته ‏{‏من الضالين*‏}‏ والظاهر أن هذا كان قبل معرفته بتأبيد شقائه، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏ولا تخزني‏}‏ أي تهني بموته على ما يوجب دخوله النار ولا بغير ذلك ‏{‏يوم يبعثون*‏}‏ أي هؤلاء المنكرون للبعث، وكأن هذا الدعاء كان بحضورهم في الإنكار عليهم في عبادة الأصنام، والظاهر أن تخصيص الدعاء بأبيه لأن أمه كانت آمنت كما ورد عن‏.‏‏.‏‏.‏ فقد صح أنه يقول يوم القيامة‏:‏ يا رب‏!‏ إنك وعدتني ألا تخزيني، أي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيبدل الله صورة أبيه صورة ذيخ ثم يلقي به في النار- كما رواه البخاري في غير موضع عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأن الله تعالى يقول له‏:‏ «إني حرمت الجنة على الكافرين» ولو كانت أمة كافرة لسأله فيها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 100‏]‏

‏{‏يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ‏(‏88‏)‏ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ‏(‏89‏)‏ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏90‏)‏ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ‏(‏91‏)‏ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ‏(‏92‏)‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ‏(‏93‏)‏ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ‏(‏94‏)‏ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ‏(‏95‏)‏ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ‏(‏96‏)‏ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏97‏)‏ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏98‏)‏ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ‏(‏99‏)‏ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ ‏(‏100‏)‏‏}‏

ولما نبه على أن المقصود هو الآخرة، صرح بالتزهيد في الدنيا بتحقير أجل ما فيها فقال‏:‏ ‏{‏يوم لا ينفع‏}‏ أي أحداً ‏{‏مال‏}‏ أي يفتدي به أو يبذله لشافع أو ناصر مقاهر ‏{‏ولا بنون*‏}‏ ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم ‏{‏إلا من أتى الله‏}‏ أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن ‏{‏بقلب سليم*‏}‏ أي عن مرض غيّره عن الفطرة الأولى التي فطره الله عليها، وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ طريق السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن ‏{‏المال والبنون‏}‏ ينفعانه بما تصرف فيهما من خير، والاستثناء مفرغ، والظاهر أن قوله ‏{‏وأزلفت‏}‏ أي قربت بأيسر وجه حال من واو «يبعثون» ‏{‏الجنة للمتقين*‏}‏ وعرف أهل الموقف أنها لهم خاصة تعجيلاً لسرورهم وزيادة في شرفهم ‏{‏وبرزت‏}‏ أي كشفت كشفاً عظيماً سهلاً ‏{‏الجحيم‏}‏ أي النار الشديدة التأجج، وأصلها نار عظيمة في مهواة بعضها فوق بعض ‏{‏للغاوين*‏}‏ أي الضالين الهالكين بحيث عرف أهل الموقف أنها لهم ‏{‏وقيل لهم‏}‏ تبكيتاً وتنديماً وتوبيخاً، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد، تحقيراً لهم، ولأن المنكئ نفس القول لا كونه من معين‏:‏ ‏{‏أين ما كنتم‏}‏ بتسلك الأخلاق التي هي كالجبلات ‏{‏تعبدون*‏}‏ أي في الدنيا على سبيل التجديد والاستمرار‏.‏ وحقر معبوداتهم بقوله‏:‏ ‏{‏من دون‏}‏ أي من أدنى رتبة من رتب ‏{‏الله‏}‏ أي الملك الذي لا كفوء له، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم ‏{‏هل ينصرونكم‏}‏ فيمنعون عنكم ما برز لكم ‏{‏أو ينتصرون*‏}‏ أي هم بالدفع عن أنفسهم‏.‏

ولما تسبب عن هذا التبريز والقول إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها قال‏:‏ ‏{‏فكبكبوا‏}‏ أي الأصنام ونحوها، قلبوا وصرعوا ورموا، قلباً عظيماً مكرراً سريعاً من كل من أمره الله بقلبهم بعد هذا السؤال، إظهاراً لعجزهم بالفعل حتى عن الجواب قبل الجواب ‏{‏فيها‏}‏ أي في مهواة الجحيم قلباً عنيفاً مضاعفاً كثيراً بعضهم في أثر بعض ‏{‏هم‏}‏ أي الأصنام وما شابهها مما عبد من الشاطين ونحوهم ‏{‏والغاوون*‏}‏ أي الذي ضلوا بهم ‏{‏وجنود إبليس‏}‏ من شياطين الإنس والجن ‏{‏أجمعون*‏}‏‏.‏

ولما علم بهذا أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفامهم توبيخاً، وكان من المعلوم أن الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له إدراكه مما يرى أنه يبرد من غلته، وينفع من علته، تشوف السامع إلى معرفة قولهم بعد الكبكبة، فأشير إلى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي العبدة ‏{‏وهم فيها‏}‏ أي الجحيم ‏{‏يختصمون‏}‏ أي مع المعبودات‏:‏ ‏{‏تالله‏}‏ أي الذي له جميع الكمال ‏{‏إن كنا لفي ضلال مبين*‏}‏ أي ظاهر جداً لمن كان له قلب ‏{‏إذ‏}‏ أي حين ‏{‏نسويكم‏}‏ في الرتبة ‏{‏برب العالمين*‏}‏ أي الذين فطرهم ودبرهم حتى عبدناكم ‏{‏وما أضلنا‏}‏ أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين ‏{‏إلا المجرمون*‏}‏ أي العريقون في صفة الإجرام، المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن يوصل ‏{‏فما‏}‏ أي فتسبب عن ذلك أنه ما ‏{‏لنا‏}‏ اليوم؛ وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجارّ فقالوا‏:‏ ‏{‏من شافعين*‏}‏ يكونون سبباً لإدخالنا الجنة، لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي الأمر إلى من لا أمر له؛ ولعله لم يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة العظمى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏101- 107‏]‏

‏{‏وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ‏(‏101‏)‏ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏102‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏103‏)‏ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏(‏104‏)‏ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏105‏)‏ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏106‏)‏ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ‏(‏107‏)‏‏}‏

ولما كان الصديق قد لا يكون أهلاً لأن يشفع، قالوا تأسفاً على أقل ما يمكن‏:‏ ‏{‏ولا صديق‏}‏ أي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا‏.‏ ولما كان أصدق الصداقة ما كان من القريب قال‏:‏ ‏{‏حميم*‏}‏ أي قريب، وأصله المصافي الذي يحرقه ما يحرقك، لأنا قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم؛ وأفرد تعميماً للنفي وإشارة إلى قلته في حد ذاته أو عدمه‏.‏

ولما وقعوا في هذا الهلاك، وانتفى عنهم الخلاص، تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا‏:‏ ‏{‏فلو أن لنا كرة‏}‏ أي رجعة إلى الدنيا ‏{‏فنكون من المؤمنين*‏}‏ أي الذين صار الإيمان لهم وصفاً لازماً، فأزلفت لهم الجنة‏.‏

ولما كان في هذه القصة أعظم زاجر عن الشرك، وآمر بالإيمان، نبه على ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إن في ذلك‏}‏ أي هذا الأمر العظيم الذي قصصته ن قول إبراهيم عليه السلام في إقامة البرهان على إبطال الأوثان، ونصب الدليل على أنه لا حق إلا الملك الجليل الديان، وترغيبه وترهيبه وإرشاده إلى التزود في أيام المهلة ‏{‏لآية‏}‏ أي عظيمة على بطلان الباطل وحقوق الحق ‏{‏وما‏}‏ أي والحال أنه ما ‏{‏كان أكثرهم‏}‏ أي الذين شهدوا منه هذا الأمر العظيم والذين سمعوه عنه ‏{‏مؤمنين*‏}‏ أي بحيث صار الإيمان صفة لهم ثابتة، وفي ذلك أعظم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأعظم آبائه عليهم الصلاة والسلام ‏{‏وإن ربك‏}‏ أي المحسن إليك بإرسالك وهداية الأمة بك ‏{‏لهو العزيز‏}‏ أي القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين يخالفه ‏{‏الرحيم*‏}‏ أي الفاعل فعل الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم، ودفع النقم، وإرسال الرسل، ونصب الشرائع، لبيان ما يرضاه ليتبع، وما يسخطه ليتجنب، فلا يهلك إلا بعد إقامة الحجة بإيضاح المحجة‏.‏

ولما أتم سبحانه قصة الأب الأعظم الأقرب، أتبعها- دلالة على وصفي العزة والرحمة- قصة الأب الثاني، مقدماً لها على غيرها، لما له من القدم في الزمان، إعلاماً بأن البلاء قديم، ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنقمة التي هي أثر العزة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم، ثم تعميم النقمة مع كونهم جميع أهل الأرض فقال‏:‏ ‏{‏كذبت‏}‏ بإثبات التاء اختياراً للتأنيث- وأن كان تذكير القوم أشهر- للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال، أو إلى أنهم مع عتوهم وكثرتهم كانوا عليه سبحانه أهون شيء وأضعفه بحيث جعلهم هباء منثوراً وكذا من بعدهم ‏{‏قوم نوح‏}‏ وهو أهل الأرض كلهم من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرق اللغات ‏{‏المرسلين*‏}‏ أي بتكذيبهم نوحاً عليه السلام، لأنه أقام الدليل على نبوته بالمعجزة، ومن كذب بمعجزة واحدة فقد كذب بجميع المعجزات لتساوي أقدامها في الدلالة على صدق الرسول، وقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن ذلك فقال‏:‏ من كذب واحداً من الرسل فقد كذب الكل لأن الآخر جاء بما جاء به الأول- حكاه عنه البغوي‏.‏

ولقصد التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة ‏{‏إذ‏}‏ أي حين ‏{‏قال لهم‏}‏ لم يتأنوا بطلب دليل، ولا ابتغاء وجه جميل؛ وأشار إلى نسبه فيهم بقوله‏:‏ ‏{‏أخوهم‏}‏ زيادة في تسلية هذا النبي الكريم ‏{‏نوح‏}‏ وأشار إلى حسن أدبه، واستجلابهم برفقه ولينه، بقوله‏:‏ ‏{‏ألا تتقون*‏}‏ أي تكون لكم تقوى، وهي خوف يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏إني لكم‏}‏ أي مع كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم ‏{‏رسول‏}‏ أي من عند خالقكم، فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به ‏{‏أمين*‏}‏ أي لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم بي، ولا خيانة في شيء من الأمانة، فلذلك لا بد لي من إبلاغ جميع الرسالة‏.‏